عبد الوهاب الشعراني

170

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

ونحو ذلك مما يفعله التجار وغيرهم ، كل ذلك اقتداء بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام . فعلم أنه لا ينبغي لبس الثياب الرقيقة والفرجيات المحررات التي فيها خطوط حمر وخضر وصفر ونحو ذلك من لباس أهل الرعونات ، لأن لثياب الزينة محلا مخصوصا ليس هذا موضعه . وقد أجمع أهل اللّه عز وجل على أن من كان فيه صفة الغنى أو رائحة التكبر لا يدخل حضرة اللّه تعالى ، ولا يحصل له شيء من الإمدادات التي تفرق على أهل تلك الحضرة قال تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [ التوبة : 60 ] . والمتكبر ولابس الثياب الفاخرة فخرا ليس فيه صفة الافتقار ولا المسكنة ، إنما فيه صفة الجبابرة فينبغي لمن عادته في بلده الملابس الفاخرة أن يبيعها كلها ويأخذ له ثيابا تناسب حالة الفقراء والمساكين في الطريق حتى يرجع من الحج ، وربما زاد من تلك الثياب على مائة دينار ثم إن احتاج إلى صرف ثمنها في مؤنة سفره نفعته وإن استغنى عنها تصدق منها صدقة مضاعفا كل درهم يرجح على ألف درهم في الحضر ، فضلا عن ثواب لبس الثياب الفاخرة بقصد إظهار النعمة ، فإن لإظهار النعمة وقتا آخر ليس هذا موضعه ولعل إركابه عاجزا مرحلة واحدة أفضل من حجه هو ، ولو أن ثيابه الفاخرة كانت معه في الطريق ربما لا تنفعه لقلة من يشتريها في السفر . وكذلك ينبغي لمن يحج أن لا يستصحب معه الهدايا النفيسة من شاشات وأزر وحبر كما يفعله التجار لأن ميزان الحق منصوبة على من ورد تلك الحضرة ، ولم يقطع عنه علائق الدنيا بأجمعها ثم إنها ربما تسرق منه في الطريق ، وإن لم تسرق منه نقص بعض رأس ماله في الدين ، وكان الأولى له أن ينفق ثمن تلك الهدايا على فقراء مكة أو يحملها معه لمن عجز في الطريق عن النفقة ، أو عن المشي ، فينبغي للحاج أن تكون له بصيرة . وقد رأيت شخصا من الفقراء أشرف على الموت من الجوع والعطش والتعب ، فجاء إلى شخص في محمل عظيم فقال اسقني للّه أو ركبني للّه ، فقال يفتح اللّه عليك ، فقال أعطني دينارا أركب به ، فقال ما معي شيء فصدقته لكونه مشهورا بالدين ، فرد الفقير وهو يقول ليس في سبيل اللّه دورانك في هذه الجبال ، واللّه للقمة أو شربة ماء لفقير أرجح من طبل حاناتك ، ولو أن هذا الراكب في المحمل كان عنده بصيرة لحسب حساب الفقراء والمساكين وأبقى لهم بقية نفقة ، وإلا ركب مقتبا ، فإن المحمل مشهور ، ويقصد الناس الراكب فيه ، فإن لم يقم بواجبه وإلا فليركب في شيء مستور ، ثم إن راكب ذلك المحمل تخاصم مع زوجته تلك الليلة فسمعته يقول لها : لك معي سبعين بندقيا ، قم يا فلان عدها من كيسي فتعجبت من رده ذلك السائل في وادي النار ، قبيل الأزلم بمرحلة مما يلي الينبوع ، وقد بلغني أن ذلك الفقير مات تلك الليلة ، فمثل هذا حجه إلى الإثم أقرب . فإياك أن تتبعه في مثل ذلك وقد تقدم في عهد إطالة الجلوس في المساجد وتخفيفه في السوق نبذة صالحة في آداب المسجد الحرام وبيان أن من الأدب أن لا يبيت المقيم